فوزي آل سيف

10

النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي

وهذا بخلاف ما كان عليه (الثائرون الحسنيون والحسينيون) يفعلونه، فكانت تنتهي ثوراتهم غالبا إلى الاصطدام المباشر مع الآلة العسكرية للخلافة وتنتهي إلى قتلهم وقتل أنصارهم. وقد ذكر المسعودي في إثبات الوصية أنه " كتب بريحة العباسي صاحب الصلاة بالحرمين إلى المتوكل: ان كان لك في الحرمين حاجة فأخرج علي بن محمد منهما فانّه قد دعا إلى نفسه واتبعه خلق كثير. وتابع بريحة الكتب في هذا المعنى، فوجّه المتوكل بيحيى بن هرثمة.."[40] لحمل الإمام الهادي من المدينة إلى سامراء. ولم نجد ـ كما قال الخزعلي[41] ـ ترجمة لبريحة هذا، والصحيح أن هناك خطأ أو تصحيفا في الاسم، فإن المصادر الأخرى تشير إلى أن عبد الله بن محمد بن داوود بن عيسى بن موسى العباسي[42]وكان والي المدينة تلك الفترة من قبل المتوكل هو الذي كان قد سعى بالإمام عليه السلام، وأرسل الرسائل للمتوكل يحرضه فيها، قائلا بأنه يدعو إلى نفسه وأن المتوكل إن كان له حاجة فيها فليخرج منها عليا الهادي. وهو ما ذكره الشيخ المفيد رحمه الله في الارشاد، وصرح به ابن الصباغ المالكي بقوله: " وحكي أنّ سبب شخوص أبي الحسن عليّ بن محمّد من المدينة إلى سُرّ مَن رأى أنّ عبد الله بن محمّد كان ينوب عن الخليفة المتوكّل الحرب والصلاة بالمدينة الشريفة فسعى بأبي الحسن إلى المتوكّل وكان يقصده بالأذى.."[43] ووافقت تلك السعاية هوى في نفس المتوكل الذي كان" يبغض عليًّا وذريته فبلغه مقام عليٍّ (الهادي) بالمدينة وميل الناس اليه فخاف منه "[44]. وكان الإمام عليه السلام على علم بما كان يرسله والي المدينة عبد الله بن محمد بن داود (ابن اترجة) للمتوكل من كتب كاذبة فيها السعاية والضغينة، فكتب للمتوكل في مقابل ذلك ما يشير إلى براءته من اتهامات والي المدينة. وأثمر كتاب الإمام عليه السلام للمتوكل العباسي في إفساد مخطط والي المدينة في تحريض المتوكل، بل وفي إقدام المتوكل على عزله عن الولاية على المدينة (وهذا عند أهل السلطة بمثابة إنهاء مستقبله السياسي والدنيوي)، لكن المتوكل استثمر الفرصة ليطلب من الإمام أن يأتي إلى سامراء، وكتب له كتابا[45]يشبه الحية؛ ليّن مسُّها قاتل سمُّها. وكان من الطبيعي مع هذا أن يرحل الإمام عن مدينة جده، لما سبق أن ذكرناه في السطور السابقة من أن الأئمة عليهم السلام لم يكونوا دعاة مواجهة صارخة، وأنهم كانوا يدفعون الأمور بالرفق قدر الإمكان وأن لا يجعلوا لأولئك الطغاة سبيلا عليهم وعلى أتباعهم.

--> 40 ) المسعودي: إثبات الوصية ٢٣٣ 41 ) الخزعلي؛ الشيخ أبو القاسم: موسوعة الإمام الهادي ٤/٦٣ قال: بريحة العبّاسي لم نعثر على ترجمة له في الكتب الرجاليّة؛ نعم ذكر المسعوديّ أنّه صاحب الصلاة بالحرمين، وسعى بعليّ بن محمّد الهادي عليهما السّلام عند المتوكّل. 42 ) وقد رأيت كلاما في مكاتيب الأئمة ٦/٢٩٥ للشيخ الأحمدي الميانجي بتحقيق مجتبى فرجي في حاشية خبر عن عبد الله بن محمد بن داود هذا ( ولا أعلم هل الحاشية للمؤلف أو للمحقق ) يمكن أن يكون مفتاح هذه المسألة وهو قوله: والظاهر أنّ الصحيح: « ابن أتْرُجّة »، وهو عبد اللَّه بن محمّد بن داوود الهاشميّ بن أترجة، من ندماء المتوكّل، والمشهور بالنصب والبغض لعليّ بن أبي طالب عليه السلام، وقد قُتل بيد عيسى بن جعفر وعليّ بن زيد الحسنيين بالكوفة قبل موت المعتزّ بأيّام. أقول هو كلام متين، وأن أساس التصحيف هو ما جاء في إثبات الوصية فالذين اعتمدوا عليه بشكل كامل وقعوا في هذا الخطأ وتم التعامل معه على أساس بريحة العباسي وهو لا وجود له في كتب الرجال والتاريخ. وقد أشار أيضا إلى أن ( ابن اترجة) هي كنية عبد الله بن محمد بن داود، محقق كتاب مقاتل الطالبيين أحمد صقر في فهرس اعلام الكتاب. كما أن أبا جعفر البغدادي صاحب كتاب «المحبر» ص43 ذكر: أن المتوكل العباسي قد جعله على الحج في سنة 239 هـ، فقال: «وأقامه ـ الحج ـ في سنة تسع وثلاثين ‌عبد ‌الله ‌بن ‌محمد ‌بن ‌داود ‌بن ‌عيسى بن موسى». 43 ) ابن الصباغ المالكي؛ علي بن محمد: الفصول المهمة في معرفة الأئمة ٢/ ٣٨٨ 44 ) سبط ابن الجوزي: تذكرة الخواص ٣٢٢ 45 ) الكليني: الكافي ١/٥٤٩ وكان مما جاء فيه: "وقد رأى أمير المؤمنين صرف عبد الله بن محمد عما كان يتولاه من الحرب والصلاة بمدينة رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان على ما ذكرت من جهالته بحقك واستخفافه بقدرك وعندما قرفك به ونسبك إليه من الامر الذي قد علم أمير المؤمنين براءتك منه وصدق نيتك في ترك محاولته وأنك لم تؤهل نفسك له وقد ولى أمير المؤمنين ما كان يلي من ذلك محمد بن الفضل وأمره بإكرامك وتبجيلك والانتهاء إلى أمرك ورأيك والتقرب إلى الله وإلى أمير المؤمنين بذلك وأمير المؤمنين مشتاق إليك يحب إحداث العهد بك والنظر إليك، فإن نشطت لزيارته والمقام قبله ما رأيت شخصت ومن أحببت من أهل بيتك ومواليك وحشمك على مهلة وطمأنينة، ترحل إذا شئت وتنزل إذا شئت وتسير كيف شئت وإن أحببت أن يكون يحيى بن هرثمة مولى أمير المؤمنين ومن معه من الجند مشيعين لك، يرحلون برحيلك ويسيرون بسيرك والامر في ذلك إليك..